ابن كثير

364

البداية والنهاية

أقض حاجته ، فثناه ذلك عن الهجوم علي ، وأقام البطريق إلى آخر النهار في ضيافتهم ، ثم ركب فرسه وركب معه أصحابه وانطلق . قال البطال : فنهضت في أثرهم فهمت أن تمنعني خوفا علي منهم فلم أقبل ، وسقت حتى لحقتهم ، فحملت عليه فانفرج عنه أصحابه ، وأراد الفرار فألحقه فأضرب عنقه واستلبته وأخذت رأسه مسمطا على فرسي ، ورجعت إلى الدير ، فخرجن إلي ووقفن بين يدي ، فقلت : اركبن ، فركبن ما هنالك من الدواب وسقت بهن حتى أتيت أمير الجيش فدفعتهن إليه ، فنفلني ما شئت منهن ، فأخذت تلك المرأة الحسناء بعينها ، فهي أم أولادي . والبطريق في لغة ؟ العبارة عن الأمير الكبير فيهم ، وكان أبوها بطريقا كبيرا فيهم - يعني تلك المرأة - وكان البطال بعد ذلك يكاتب أباها ويهاديه . وذكر أن عبد الملك بن مروان لما ولاه المصيصة بعث البطال سرية إلى أرض الروم ، فغاب عنه خبرهم فلم يدر ما صنعوا ، فركب بنفسه وحده على فرس له وسار حتى وصل عمورية ، فطرق بابها ليلا فقال له البواب : من هذا ؟ قال البطال : فقلت أنا سياف الملك ورسوله إلى البطريق ، فأخذ لي طريقا إليه ، فلما دخلت عليه إذا هو جالس على سرير فجلست معه على السرير إلى جانبه ، ثم قلت له : إني قد جئتك في رسالة فمر هؤلاء فلينصرفوا ، فأمر من عنده فذهبوا ، قال : ثم قام فأغلق باب الكنيسة علي وعليه ، ثم جاء فجلس مكانه ، فاخترطت سيفي وضربت به رأسه صفحا وقلت له : أنا البطال فأصدقني عن السرية التي أرسلتها إلى بلادك وإلا ضربت عنقك الساعة ، فأخبرني ما خبرها ، فقال : هم في بلادي ينتهبون ما تهيأ لهم ، وهذا كتاب قد جاءني يخبر أنهم في وادي كذا وكذا ، والله لقد صدقتك . فقلت : هات الأمان ، فأعطاني الأمان ، فقلت : إيتني بطعام ، فأمر أصحابه فجاؤوا بطعام فوضع لي ، فأكلت فقمت لانصرف فقال لأصحابه : اخرجوا بين يدي رسول الملك فانطلقوا يتعادون بين يدي ، وانطلقت إلى ذلك الوادي الذي ذكر فإذا أصحابي هنالك ، فأخذتهم ورجعت إلى المصيصة . فهذا أغرب ما جرى . قال الوليد : وأخبرني بعض شيوخنا أنه رأى البطال وهو قافل من حجته ، وكان قد شغل بالجهاد عن الحج ، وكان يسأل الله دائما الحج ثم الشهادة ، فلم يتمكن من حجة الاسلام إلا في السنة التي استشهد فيها رحمه الله تعالى ، وكان سبب شهادته أن ليون ملك الروم خرج من القسطنطينية في مائة ألف فارس ، فبعث البطريق - الذي البطال متزوج بابنته التي ذكرنا أمرها - إلى البطال يخبره بذلك ، فأخبر البطال أمير عساكر المسلمين بذلك ، وكان الأمير مالك بن شبيب ، وقال له : المصلحة تقتضي أن نتحصن في مدينة حران ، فنكون بها حتى يقدم علينا سليمان بن هشام في الجيوش الاسلامية ، فأبى عليه ذلك ودهمهم الجيش ، فاقتتلوا قتالا شديدا والابطال تحوم بين يدي البطال ولا يتجاسر أحد أن ينوه باسمه خوفا عليه من الروم ، فاتفق أن ناداه بعضهم وذكر اسمه غلطا منه ، فلما سمع ذلك فرسان الروم حملوا عليه حملة واحدة ، فاقتلعوه من سرجه برماحهم فألقوه إلى